فخر الدين الرازي

60

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 31 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) أي لنأمرنكم بما لا يكون متعينا للوقوع ، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل عدم الوقوع كما يفعل المختبر ، وقوله تعالى : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ أي نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل في علم الشهادة فإنه تعالى قد علمه علم الغيب وقد ذكرنا ما هو التحقيق في الابتلاء ، وفي قوله حَتَّى نَعْلَمَ وقوله الْمُجاهِدِينَ أي المقدمين على الجهاد وَالصَّابِرِينَ أي الثابتين الذين لا يولون الأدبار وقوله وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ يحتمل وجوها أحدها : قوله آمَنَّا * [ البقرة : 8 ] لأن المنافق وجد منه هذا الخبر / والمؤمن وجد منه ذلك أيضا ، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب ، كما قال تعالى : أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * ، [ الحجرات : 15 ] وثانيها : إخبارهم من عدم التولية في قوله وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ [ الأحزاب : 15 ] إلى غير ذلك ، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل اللّه كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة وثالثها : المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [ الفتح : 27 ] ، لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ، و إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 173 ] وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى في حقهم وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ [ الأحزاب : 60 ] فعند تحقق الإيجاف ، يتبين الصدق من الإرجاف . ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 32 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) وفيه وجهان أحدهما : هم أهل الكتاب قريظة والنضير والثاني : كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى قيل أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام ، وقوله لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً تهديد معناه هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع اللّه فإن محمدا رسول اللّه ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن اللّه منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ، وقوله وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ قد علم معناه . فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن اللّه تعالى أحبط أعمالهم فكيف يحبط في المستقبل ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد من قوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ محمد : 1 ] في أول السورة المشركون ، ومن أول الأمر كانوا مبطلين ، وأعمالهم كانت على غير شريعة ، والمراد من الذين كفروا هاهنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها اللّه تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل والتوحيد ، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلا ولا كان معترفا بالحشر الثاني : هو أن المراد بالأعمال هاهنا مكايدهم في القتال وذلك في تحقق منهم واللّه سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين ، والمراد بالأعمال في أول السورة هو ما ظنوه حسنة . ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 33 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) العطف هاهنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش لأن طاعة / اللّه تحمل على طاعة الرسول ، وهذا إشارة إلى العمل بعد حصول العلم ، كأنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا علمتم الحق